ابن بسام

50

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

من المطالبة والأذى . إذا سئم ابن أبي عامر إعناته وكله إلى غالب صهره فيتولى كبره ، ويضعف عذابه . والأخبار عنهما في ذلك كثيرة . فلما بان عجز جعفر وضعفه أقرّ في المطبق بالزهراء إلى أن وافاه [ 1 ] هنالك حمامه وأسلم ميتا إلى أهله ؛ وما ترك الناس بعد أن عدّوه في قتلى ابن أبي عامر ، وزعموا أنّه دسّ له شربة سمّ قضت عليه . واللّه أعلم . أخبرني محمد بن إسماعيل كاتب ابن أبي عامر قال [ 2 ] : سرت مع محمد بن مسلمة ثقة ابن أبي عامر إلى الزهراء لنسلم جسد جعفر بن عثمان / إلى أهله وننظر [ 3 ] إلى عينه . وسرنا إلى منزله وما غطّى جسده إلا كساء خلق لبعض البوابين ألقاه على سريره . ودعا له محمد بن مسلمة بغاسل يغسله على فرد باب اختلع من ناحية الدار . وخرجنا بنعشه وواريناه ، وما جسر أحد شهوده معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضره من ولده . فعجبت من عدوان الزمان بعد تصريفه له ، وإنّ لي بالاعتبار بشأنه في الحالتين مع قرب المدّة لموعظة : وقفت له في طريقه من داره وقت علّة الحكم ، وقد تناهى أمره في الجلالة أروم أن أناوله قصة ، فو اللّه ما تمكّنت من الدّنوّ إليه لكثافة موكبه ، وأخذ الناس الطرق عليه مسلّمين وسائلين ، فانثنيت حسيرا مبهوتا . فلم تطل المدة حتى سلبه ابن أبي عامر حاله وقبض عليه ، وجعل يحمله في الغزوات معه . وسرت في صحبة ابن أبي عامر فاتفق لي أن نزلت في بعض المنازل بجلّيقية إلى جنب خبائه . وفي ليلة نهى ابن أبي عامر عن وقود النار ليخفى على العدوّ مكانه ، فرأيت واللّه عثمان بن جعفر يسقي أباه جعفرا دقيقا قد خلطه بالماء يقيم أوده ، والشيخ يحسوه ويحرص عليه ، ضعف حال وعدم زاد ؛ فلا أنسى تلك الموعظة . وما يغتر بالأيام إلّا ضعيف العقل . وكان مهلك جعفر فيما أخبرني به أبي خلف بن حسين سنة اثنتين وسبعين . وممّا طولب به جعفر مال الصقلبي جعفر ، كان الحكم وقفه قبل خالد بن هشام وتورّع عنه وأوصى أن يوزّع في الكور التي كانت / إليه وقته ، تحلّلا من مظالم أهلها . فأرجأه عند خالد مدة إلى أن احتاج إليه فقبضه سرّا ، واندفع إلى جعفر وأخذ خالد بن هشام براءته منه ، فسئل جعفر عنه ، فقال : كنت خادم الرجل وصاحب سرّه فعملت برسمه ، وإن رجع في الاستدلال إلى زمامه الماضي الذي كنت أقيّد فيه الأموال الباطنة

--> [ 1 ] ص : وفاء . [ 2 ] يستمر النص في نفح الطيب 3 : 90 . وقارن صياغة ابن خاقان لهذا الخبر في المطمح : 6 . [ 3 ] ص : والنظر .